الشيخ السبحاني
299
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
البعض الآخر « 1 » . ولا يخفى أنّ امتناع التّرجّح من غير مرجح ( كامتناع تحقق الممكن بلا علّة ) وامتناع التّرجيح بلا مرجح من باب واحد ، والقول بالامتناع في الأول يستلزم الامتناع في الثاني . وذاك لأن أصل الفعل كما لا يتحقق بلا علة ، فكذلك الخصوصيات لا تتحقق إلّا معها ، فالجائع بالنسبة إلى الرغيفين والهارب بالنسبة إلى الطريقين كذلك ، فكما أنّ صدور أصل الأكل والهرب يحتاج إلى علّة ، لامتناع وجود الممكن بلا سبب ، كذلك تخصيص أحد الرغيفين بالأكل وترك الآخر ، بما أنّه أمر وجودي يحتاج إلى علّة . والقول بأنّ وجود أصل الفعل يتوقف على علّة دون خصوصياته ، يرجع إلى القول بوجود الممكن - ولو في بعض مراتبه - وتحققه بلا علّة . ولأجل ذلك يقول المحققون إنّ مآل تجويز الترجيح بلا مرجح إلى تجويز الترجّح بلا مرجح . فلازم هذا الجواب أنّ الخصوصية لا تطلب العلّة ، وهذا انخرام للقاعدة العقلية ، من حاجة الممكن إلى علّة . وأمّا التمثيل برغيفي الجائع وطريقي الهارب ، فلا شك أنّ للفعل والخصوصية هناك مرجح وهو أنّ الإنسان العادي يجد في نفسه ميلا إلى جانب اليمين من كل من الرغيف والطريق ، فالميل الطبيعي يكون مرجحا لانصراف الإرادة إليه دون طرف اليسار . نعم ربما ينعكس لأجل طواري في الواقعة تلتفت إليها النفس فتختار ما في جانب اليسار « 2 » .
--> ( 1 ) المحاضرات ، ج 2 ، ص 47 - 49 . ويظهر ذلك الجواب أيضا من العلّامة في ( نهج المسترشدون ) لاحظ إرشاد الطالبين ص 266 . ( 2 ) ثم إنّ للمحقق الطوسي في المقام كلاما وهو : « الوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب » . وقد جعله العلّامة جوابا عن الاستدلال الذي نقلناه عن الأشاعرة . والظاهر أن هذه العبارة ناظرة إلى تحليل دليل آخر للقائلين بالجبر وهو أنّ القاعدة الفلسفية المسلمة أعني « الفعل ما لم يجب لم يوجد » ، تقتضي صدور الفعل عن الإنسان عن وجوب واضطرار . وهذا لا يجتمع مع القول بالاختيار . فأجاب عنه المحقق الطوسي بأنّ الوجوب العرضي للداعي لا ينافي القدرة والاختيار فالفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن ، وبالنظر إلى داعيه واجب ، وذلك لا يستلزم الجبر . فإنّ كل قادر يجب صدور الأثر منه عند وجود الداعي كالواجب .